محمد بن أحمد النهرواني
199
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
وورد سنير بن الحسين القرمطي إلى مكة في يوم النحر يوم الثلاثاء عاشر ذي الحجة سنة 339 ه ، ومعه الحجر الأسود ، فلما صار بفناء الكعبة حضر معه أمير مكة - يومئذ - وهو - ظنا - أبو جعفر محمد بن الحسن بن عبد اللّه ابن عبد العزيز ، فأظهر سفطا أخرج منه الحجر الأسود وعليه ضباب من فضة في طوله وعرضه يضبط شقوقات حدثت فيه بعد قلعه . وأحضر معه جصا يشده به فوضع حسن بن المروق البنّاء الحجر في مكانه الذي قلع منه ، وقيل : بل وضعه « سنبر » بيده ، وقال : « أخذناه بقدرة اللّه تعالى وأعدناه بمشيئته ، وقد أخذناه بأمر ورددناه بأمره » . ونظر الناس إلى الحجر فقبلوه واستلموه ، وحمدوا اللّه تعالى ، وحضر ذلك محمد بن شافع الخزاعي ، ونظر إلى الحجر الأسود وتزمله ، فإذا السواد في رسه دون سائره وسائره أبيض ، وحضر معهم ممن حج تلك السنة محمد بن عبد الملك بن صفوان الأندلسي ، وشهد ردّ الحجر إلى مكانه . ولما أعيد الحجر الأسود إلى مكة حمله على قعود هزيل فسمن ، وكان لما مضوا به مات تحته أربعون جملا ، وكانت مدة استمراره عند القرامطة اثنين وعشرين سنة إلا أربعة أيام . وكان المنصور بن القائم بني المهدى العبيدي أرسل أحمد بن أبي سعيد القرمطي - أخا طاهر - بخمسين ألف ذهب في الحجر الأسود لرده فلم يفعل وبذل حكم التركي مدير الخلافة خمسين ألف دينار للقرامطة على رد الحجر وقالوا : « أخذناه بأمر ولا نرده إلا بأمر » ! إلى أن أراد اللّه تعالى رده على الوجه الذي ذكرناه . وفي التواريخ صور أخر لهذه القصة رأيناها متناقضة ، وهذا أصح ما روى فيها فاعتمدنا عليه فعض عليه بالنواجذ . ثم إن الحجبة خافوا على الحجر الأسود من استطالة يد خائن إليه بعدم استحكام بنائه فقلعوه وجعلوه في البيت الشريف حفظا له وصنا عمن أراده بسوء ، ثم أمروا صائغين فصنعوا له طوقا من فضة وزينة ثلاثة آلاف وسبع